مالي- أزواد- استقلال

تحقيق.. هل دعمت فرنسا إعلان استقلال أزواد عن مالي 2012؟

آبا- باماكو (مالي) لمين ولد سالم

بعد عشر سنوات من إعلان استقلال أزواد عن مالي مطلع ابريل من عام 2012، تغوص وكالة الصحافة الأفريقية في أروقة وكواليس الإرهاصات الأولى ودور فرنسا في استقدام المقاتلين من جيش القذافي "لتقديم يد العون لإخوانهم في الشمال المالي". شهادات ومعلومات حصرية، عن اجتماعات في وزارة الخارجية الفرنسية مع قيادات من الطوارق للتخطيط لتمرد عام 2012.

كانت الحركة الوطنية لتحرير أزواد (MNLA)، وهي من أطلق شرارة تمرد الطوارق قبل أسابيع قليلة ربيع عام 2012، أول من أعلن من جانب واحد، وقف إطلاق النار بعد السيطرة على كافة المناطق الشمالية من الأراضي المالية، التي أصبحت خالية من أي حضور للدولة المركزية.

في يوم الجمعة 6 ابريل 2012، خرج موسى آغ الطاهر، وزير الرياضة في الحكومة الانتقالية الحالية في مالي، والمتحدث الرسمي باسم الحركة في أوروبا سابقا، ليؤكد على شاشة إحدى الفضائيات الفرنسية إعلانا نشر قبل ساعات على الموقع الإلكتروني للحركة الوطنية لتحرير أزواد.

وجاء في الإعلان الذي وقعه الأمين العام بلال أغ الشريف "أن الحركة تعلن استقلال أزواد"، ذلك الإقليم الشاسع الذي يساوي مساحة فرنسا وبلجيكا مجتمعتين، ويشهد منذ ستينيات القرن الماضي على حركات تمرد متكررة ومعارك طاحنة بين مالي والطوارق.

وقال آغ الطاهر في خرجته على شاشة قناة فرانس 24 الفرنسية "نعلن رسميا استقلال أزواد ابتداء من هذا اليوم"، مضيفا أنهم "أنهوا للتو معركة مهمة وهي معركة التحرير"، دون أن يعلق على تنازع حركة أنصار الدين السيادة على المنطقة مع حركته.

وتعتبر حركة أنصار الدين التي يقودها آنذاك أحد أبرز قادة تمرد تسعينيات القرن الماضي، إياد أغ غالي، حركة ذات نزعة إسلاموية وتطمح إلى السيطرة على كافة الأراضي المالية، وهي بذلك تعادي استقلال إقليم أزواد، كما أن "أنصار الدين"، تحالفت مع "القاعدة في المغرب الإسلامي"، إحدى الحركات المسلحة النشطة في المنطقة، وعلى علاقة بتنظيم القاعدة الأم، حين كان على أشده.

يد خفية

أما فرنسا، وهي القوة الاستعمارية السابقة في مالي، أعلنت على لسان وزير دفاعها جيرارد لونغي، أن "إعلان استقلالٍ أحادي لا تعترف به الدول الأفريقية لا معنى له" .

أما المتحدث باسم وزارة الخارجية آنذاك، بيرنارد فاليرو، فقال "إن الحكومة الفرنسية تعتبر أن إعلان الاستقلال لاغ"، في محاولة من الحكومة الفرنسية للكشف عن موقفها بشكل صريح.

لكن هذه التصريحات تتناقض مع معلومات حصلت عليها APA News، في الأيام الأخيرة من عدة كوادر في الحركة الوطنية لتحرير أزواد بينهم شخصيات مؤسسة على غرار حاما آغ محمود أول مسؤول دبلوماسي في الحركة، التي أبعد منها.

ويقول أحد كوادر الحركة الذي كان يعمل وزيرا ومستشارا في الرئاسة المالية في وقت سابق في تصريحات لAPA "إن فرنسا هي من يقف وراء هذا التمرد، تمرد عام 2012، كما هي عادتها في عدة حركات تمرد سابقة تماشيا مع مصالحها، خصوصا في أحداث 1963 و1990. معظم الطوارق الماليين كانوا يقطنون آنذاك في ليبيا ومنذ عشرات السنوات، كما أنهم كانوا منخرطين في الجيش التابع للعقيد الليبي معمر القذافي، ويقودون كتائب كبيرة ومن بينهم ضباط.

وارتأت فرنسا التي كانت تقود حينها حربا في ليبيا لإسقاط القذافي، أن تقنع بعضا من منتسبي جيشه للتخلي عنه".

ويضيف المسؤول المالي الذي يعتز بكونه أحد قادة التمرد ويعتز كذلك بانتمائه لمالي أن "فرنسا بدأت في التواصل مع الطوارق الماليين والنيجريين المقربين من بعض عناصر جيش القذافي من أصل مالي، واقترحت عليهم الضغط على هؤلاء العناصر من أصل مالي للانسحاب من ليبيا والتخلي عن العقيد القذافي والعودة إلى مالي، كما تعهدت لهم فرنسا بدعمهم لتحرير إخوانهم في شمال مالي من قبضة سلطات باماكو التي، ورغم عدة حركات تمرد واتفاقيات سلام بقيت حبرا على ورق، ما زالت تهمشهم وتحتقرهم" وفق تعبيره.

ويتابع في حديثه ل APA  "جرت عدة اجتماعات في مقر الخارجية الفرنسية من نهية شهر أغسطس حتى بداية شهر سبتمبر 2011، حضرتها شخصيات وازنة من الطوارق الماليين، بينهم نينا والات عينطالو، الذي أصبح فيما بعد وزيرا في الحكومة المالية، والنائب السابق ابراهيم آغ محمد الصالح، كما حضرت أنا شخصيا، أسابيع بعد ذلك في شهر سبتمبر، لاجتماع ثان حضرته قيادات من الطوارق النيجريين، نظمه الفرنسيون في جنيف بسويسرا".

ويؤكد الوزير السابق في الحكومة المالية أن "خلال هذه الاجتماعات تقرر إقناع الطوارق الماليين في جيش معمر القذافي بالعودة إلى مالي مع الأسلحة والزاد والقتال مع إخوانهم في الشمال".

تمرد لا استقلال

ويرى حاما آغ محمود أن إعلان استقلال أزواد يعود إلى قيادات فرنكفونية تلقت تعليمها وتكوينها في مالي.

وذلك خلافا للفكرة السائدة في مالي القائلة بأن الجناح العربي من الثوار الطوارق والذين تلقوا تكوينهم على يد من عملوا في ليبيا، كالعقيد محمد ناجم، قائد الجيش في حركة تحرير أزواد، وبلال آغ الشريف، هو من فرض أن يعزل الشمال عن بقية الأراضي المالية أول ما يتم "طرد الجيش المالي" من الشمال.

ويقول آغ محمود إنه من ضمن المجموعة التي فرضت فكرة الاستقلال، و"كنا في أغلبنا أطرا سابقين من الطوارق وعملنا لصالح مالي، ونعرف جيدا نظام الحكم المالي والمسؤولين في العاصمة باماكو".

ويضيف في وصف لتعامل السلطات المالية مع اتفاقيات السلام "وقعت عدة اتفاقيات سلام، وبعيد مراسيم التوقيع مباشرة ترمى هذه الاتفاقيات في سلال المهملات، أما طلب الاستقلال فكان بالنسبة لنا خطة لطلب الكثير من أجل الحصول على القليل، كان هدفنا أن تكون هناك على الأقل لامركزية في إطار نفس الدولة، خصوصا أن مالي دولة تعايشت فيها المجتمعات منذ قرون على هذا الأساس".

وينتقد السياسي الطارقي الذي يعيش في المنفى في إحدى دول الجوار، طبيعة نظام الحكم في باماكو قائلا "إن المسؤولين المالين، الذين درسوا في أغلبهم في فرنسا، لم يكونوا يقبلوا بغير نموذج نظام حكم الدولة المركزية، كما هو معروف في فرنسا".

أما أحد القادة المؤسسين للحركة الوطنية لتحرير أزواد معروف بعلاقاته الواسعة مع الأوساط الدبلوماسية والاستخباراتية والعسكرية الفرنسية، فيقول إن "فرنسا تعلم جيدا إن هناك مقابل لطلبها منا التدخل لإقناع إخواننا في جيش القذافي".

ويؤكد هذا المسؤول "بالفعل الأطر الطوارق الذين عملوا وتكونوا في مالي هم من فرض فكرة إعلان استقلال الشمال، رغم أنهم كانوا يعلمون أن لا أحد سيساند هذا القرار، خارج منتسبي" الحركة.

ويتابع المسؤول في سرده لكواليس إعلان استقلال الشمال المالي "لا يمكن لفرنسا إنكار أن تمردا كان في بداياته منذ عام 2007، حين بدأت مجموعة إبراهيم آغ باهانغا التحرك في الشمال. ومقابل تقديمنا يد العون في ليبيا، لم يكن في وسع باريس رفض مساندة فكرة استقلال ذاتي أو لامركزية، قد تمكن الطوارق من الحصول هامش حرية والتمتع بحقوقهم الثقافية.

ويقول السياسي الطارقي "إن فرنسا كانت ترفض بشكل واضح فكرة الاستقلال، جميع المسؤولين الفرنسيين الذين كنا على تواصل معهم، عبروا بشكل صريح عن رفضهم لتقسيم مالي"، يختم المسؤول الذي قال إنه بذل أقصى جهده لثني رفاقه عن إعلان استقلال أزواد وتقسيم مالي.

أضحوكة!

ولم يجد إعلان استقلال أزواد أي دعم خارج الدائرة الضيقة من الداعمين للحركة الوطنية لتحرير أزواد (MNLA).

ووصف جان بينغ، رئيس المفوضية الأفريقية آنذاك إعلان استقلال أزواد ب"الأضحوكة"، معلنا أن الاتحاد الأفريقي "يرفض ويدين هذا الإعلان".

أما الولايات المتحدة الأمريكية فرفضت إعلان استقلال أزواد، وقال المتحدث باسم الخارجية الأمريكية حينها باتريك فانتريل إن بلاده "تكرر نداءها بالمحافظة على وحدة التراب المالي".

كما قررت بريطانيا إغلاق سفارتها في باماكو "بشكل مؤقت" وسحب دبلوماسييها العاملين هناك، حسب بيان للخارجية البريطانية.

أما دول الجوار المالي والأعضاء في المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (السيدياو)، فأعلنوا تمسكهم بوحدة التراب المالي، الدولة التي فرضت المجموعة الإقليمية عليها عقوبات اقتصادية بعد انقلاب قاده عسكريون ضد الرئيس آمادو توماني توري بعد ما أسموه فشله في تحاشي هزيمة الجيش أمام الثوار الطوارق.

لكن السيدياو ذهبت أبعد من ذلك، حين أعلنت نيتها إرسال 2000 إلى 3000 عسكري إلى مالي لتأمين الوحدة الترابية لمالي، وذلك بعد اجتماع لقادة أركان جيوش الدول الأعضاء في المجموعة في أبيدجان بكوديفوار، يوما واحدا قبل الإعلان الرسمي عن استقلال الشمال.

كما هي عادتها في لعب دول رجال الإطفاء بعد اندلاع الحريق، في جارتها الجنوبية خلال عمليات التمرد التي شهدتها، أعلنت الجزائر التي اختطف ستة من دبلوماسييها في غاوا من قبل مسلحين "أنها لن تقبل تهديد الوحدة الترابية لمالي"، داعية على لسان وزيرها الأول حينها أحمد أويحي إلى "الحوار".

أما في باماكو، فخرج الرجل القوي في مالي وقائد الانقلابيين آمادو سانوغو معترفا، ضمنيا، بعجزه عن تأمين سكان الشمال، مكتفيا بدعوتهم إلى "المقاومة" عبر وسائلهم الخاصة.

لكن التحول الأكبر كان بسيطرة أنصار الدين ومن على شاكلتها من الحركات المسلحة التي تبايع القاعدة، على الشمال المالي بما فيها المناطق الخاضعة آنذاك لسيطرة الحركة الوطنية لتحرير أزواد، لتكون هذه الحركات الجهادية، وعلى مدار عام كامل، صاحبة الكلمة العليا في الشمال المالي.

بعد التدخل الفرنسي وإخراج الحركات الجهادية من المدن الواقعة تحت سيطرتها عام 2013، لم يفقد هذا التدخل الحركات الجهادية كامل قوتها، حيث توسعت إلى مناطق أخرى من الأراضي المالية الشاسعة.

واليوم تنتشر الحركات المسلحة التابعة للقاعدة وداعش على الشريط الحدودي بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو، كما أنها لم تعد تخفي طموحها بالتوسع نحو دول غرب أفريقيا وبناء "إمارة إسلامية".

ترجمة ابراهيم الهريم \ آبا

الرد على هذا المقال